أحمد مصطفى المراغي
182
تفسير المراغي
أَمْ نَحْنُ الزَّارِعُونَ » فالإنسان يحرث الأرض ويلقى فيها البذر ولكنه لا يملك إنزال المطر ولا إنبات الحب وتغذيته بمختلف عناصر التربة ولا دفع الجوائح عنه . وأن الثاني من فعله تعالى وحده بدون كسب عادى للنبي صلى اللّه عليه وسلم في تأثيره ، فالرمى منه كان صوريا لتظهر الآية على يده صلى اللّه عليه وسلم ، فما مثله في ذلك إلا مثل أخيه موسى صلى اللّه عليه وسلم في إلقائه العصا « فَإِذا هِيَ حَيَّةٌ تَسْعى » . ( وَلِيُبْلِيَ الْمُؤْمِنِينَ مِنْهُ بَلاءً حَسَناً ) أي فعل اللّه ما ذكر لإقامته حجته وتأييد رسوله ، وليبلى المؤمنين منه بلاء حسنا بالنصر والغنيمة وحسن السمعة . ( إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ ) أي إنه تعالى سميع لما كان من استغاثة الرسول والمؤمنين ربهم ودعائهم إياه وحده ولكل نداء وكلام ، عليم بنياتهم الباعثة عليه والعواقب التي تترتب عليه . ( ذلِكُمْ وَأَنَّ اللَّهَ مُوهِنُ كَيْدِ الْكافِرِينَ ) أي ذلكم البلاء الحسن هو الذي سمعتم - إلى أنه تعالى مضعف كيد الكافرين ومكرهم بالنبي صلى اللّه عليه وسلم والمؤمنين ومحاولتهم القضاء على دعوة التوحيد والإصلاح قبل أن يقوى أمرها وتشتد . وبعد أن ذكر خذلانهم وإضعاف كيدهم - انتقل منه إلى توبيخهم على استنصارهم إياه على رسوله صلى اللّه عليه وسلم ، وقد روى محمد بن إسحاق عن الزهري أن أبا جهل قال يوم بدر : اللهم أيّنا كان أقطع للرحم ، وأتى بما لا يعرف فأحنه الغداة فكان ذلك منه استفتاحا . وقال السدى : كان المشركون حين خرجوا من مكة إلى بدر أخذوا بأستار الكعبة فاستنصروا اللّه وقالوا : اللهم انصر أعلى الجندين ، وأكرم الفئتين ، وخير القبيلتين ، فأجابهم اللّه بقوله : ( إِنْ تَسْتَفْتِحُوا فَقَدْ جاءَكُمُ الْفَتْحُ ) أي إن تستنصروا لأعلى الجندين وأهداهما فقد جاءكم الفتح ونصر أعلاهما وأهداهما . وهذا من قبيل التهكم بهم ؛ لأنه قد جاءهم الهلاك والذلة .